أحمد بن محمد ابن عربشاه

193

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

واتفقت الآراء أن يرسلوا للعالم أولا ، وانتخبوا من يصلح أن يكون مرسلا ، فيحمله العفريت في الرسالة ما تتضمنه من الحماسة والبسالة ، حسبما يراه رأيه التعيس وفكره المدبر الخسيس ، وكان في شياطينه المردة وغيلانه العتاة العندة عفريت من الجن مارد مسن اسمه ؛ صن بن مصن ، قد أضل عقائد وأزل قواعد ، وأشرب بغض بني آدم ، وغمس طائفة منهم في نار جهنم بعد ما غطهم من المعاصي في يم ، لا يمنعه وجوم عن الهجوم ولا يخاف الرجوم من النجوم ، طالما أطال العوائق في المغارب والمشارق ، وأضرم نيران الإفساد بين الخلائق ، وملأ ما بين الخافقين من مواقع الصواعق ، وفوح نتانة الوساوس وفساء الظربات في المجالس ، وانقض للشر والفتن على كل قائم وجالس ، فكم له توفيق بين الحرامين ، وتفريق بين الحلالين ، وسفك دماء بين الأخوين ، وإلقاء للبغضة بين المحبين ، والعداوة بين الإلفين ، والعربدة بين السكاري ، والحروب بين المسلمين والنصارى . وبالجملة فقد أوتى من الوسوسة والتلبيس صنوفا كثيرة فاق بها على ذرية إبليس ، فانتدبه العفريت الملم إلى هذا الأمر المهم ، وأمهلاه إلى أن انسلخ إهاب الضوء « 1 » ، ثم طارا في عنان الجو ، حتى وصلا إلى سفح الجبل متعبّد ذلك العالم البطل الذي ملأ الدنيا بالعلم والعمل ، ثم كمن العفريت في مغارة ، وأرسل رسوله بالسفارة يقول : أبلغ عالم الإنس صاحب الكرامات والأنس ، ومقرب حظيرة القدس عن شيخ العفاريت الطغاة المصاليب « 2 » أنى من قديم الزمان وبعيد الحدثان « 3 » أضللت كثيرا من الناس بالمكر والخداع والوسواس ، وفي أمثالي نزلت قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [ الناس : 1 ] . وابن عمى هو الوسواس الخناس ، وكان من جنس بني آدم كذا كذا ألف عالم

--> ( 1 ) أي انبلج الصباح . ( 2 ) الشجعان من الشياطين . ( 3 ) نوائب الدهر .